ابو البركات
334
الكتاب المعتبر في الحكمة
هو وينتهى اليه وان كل قوة تدعى مما هي غير وأخرى لا ينوب القول بها عن قولنا هذا فتحقق هذا لا يحوج إلى غيره مما قد بقي من القول في تجزى النفس ولزومها للبدن ومفارقتها فهو علم بنفسه يعلم الحق فيه بنظر يأتي بعد هذا . واما السمع فانا نعلم منه علما أوليا يقينيا انا ندرك به الأثر الحادث وجهته وقربه وبعده كما قلنا ولو كان تتأدى أمواج الهواء بحركته إلى تجويف الصماخ حتى كان يكون المحسوس منه ما يقرع العصبة المفروشة عليه وحين يقرعها لكان يلزم ما قلنا من أن لا نفرق بين قريب المسموعات وبعيدها وجهاتها المختلفة لأنا ندركها حيث لا اختلاف في بعد وقرب وجهة على ما قيل فلا شك في انا ندرك المسموعات حيث هي كما ندرك المبصرات الا ان المبصرات ندرك منها أشياء قارة الوجود وهذه انما ندرك منها ما لا قرار لوجوده وهي الحركات والأمواج الحادثة عنها في الهواء وتلك كان مبدأ ادراكنا لها محاذاتها لآلة البصر بتأدى أشباحها إليها كما تتأدى إلى المرايا فننبه نفوسنا على الالتفات إليها وتصويب الآلة نحوها وارسال الشعاع البصري إليها فندركها ولذلك يكون التفاتنا إلى الشئ الذي هو أشد استنارة أكثر وكأنه ينبهنا على ابصاره حتى نتأمله ونلتفت اليه بغير روية وما عداه من صغير وغير مستنير انما نراه إذا طلبناه وتأملناه وهذه اعني المسموعات ندرك منها ما لا يحاذى الآلة وما يحاذيها لكن له منها حد من القرب محدود بقوة المصوت وذكاء حس المدرك والابصار كذلك أيضا يتحدد بمسافة منسوبة إلى استنارة المرئى في قلتها وكثرتها ومقداره في عظمه وصغره مع قوة البصر وحدته فالجرم الأعظم الذي نوره أكثر يكون اظهر ويدركه الحاد البصر من مسافة ابعد وأجود مما يدركه غيره والجرم الأصغر الذي نوره أقل يبصر أكلّ بلون « 1 » اخفى فلا يدرك الا من مسافة أقرب وبتأمل أكثر وكذلك السمع يدرك الأثر الذي أسبابه أقوى وتمكنه أشد من مكان ابعد والذي أسبابه أضعف وتمكنه أقل من مكان أقرب ولو كان المرجع في السمع من معرفة بعد المسافة وقربها إلى ضعف التأثير المتأدى وقوته لم يفرق كما قيل
--> ( 1 ) سع - بلون إذا خفى .